محمد هادي معرفة

85

التمهيد في علوم القرآن

كلّ ما نعجز عنه كخلق الصور والصفات ، ويؤيّد ما ذكرناه من عجزهم ويوضّحه ، أنّهم عدلوا عن المعارضة إلى تعريض النفس للقتل ، مع أنّ المعارضة عليهم كانت أسهل وما ذاك إلّا لمّا أحسّوا به من العجز من أنفسهم عنها ، فثبت بما ذكرناه كون القرآن معجزا ، وتمام تقرير هذه الدلالة بإيراد الأسئلة الواردة عليها والانفصال عنها . . . ثمّ جعل يورد أسئلة ثمانية للملاحدة حاولوا فيها اخفاء وجه الإعجاز في القرآن . . وأجاب عن كلّ واحدة منها إجابة وافية على أسلوب منهجي رتيب ، أبدى خلالها جوانب لامعة من إعجاز القرآن ، قد أجّلناها إلى بحث الدلائل على الإعجاز ، فانتظر . المسلك الثاني : في الدلالة على أنّ القرآن معجز من جهة العادة وتقريره أنّ الاتيان بمثل كلّ واحدة من سور القرآن ، لا يخلو حاله إمّا أن يكون معتادا ، أو غير معتاد ، فإن كان معتادا كان سكوت العرب مع فصاحتهم وشدّة عداوتهم للرسول ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) ومع توفّر دواعيهم على إبطال أمره ، والقدح في دعواه بمبلغ جهدهم وجدّهم ، يكون لا محالة من أبهر المعجزات ، وأظهر البيّنات على عجزهم عن الإتيان بمثل سورة منه . وأمّا إن لم يكن معتادا ، كان القرآن معجزا ، لخروجه عن المألوف والمعتاد ، فثبت بما ذكرناه أنّ القرآن سواء كان خارقا للعادة أو لم يكن خارقا ، فإنّه يكون معجزا ، وهذه نكتة شريفة حاسمة لأكثر أسئلة المنكرين التي يوردونها على كونه خارقا للعادة كما ترى . الفصل الثالث : في بيان الوجه في إعجاز القرآن اعلم أن الكلام في الوجه الذي لأجله كان القرآن معجزا دقيق ، ومن ثمّ كثرت فيه الأقاويل ، واضطربت فيه المذاهب ، وتفرّقوا على انحاء كثيرة ، فلنذكّر ضبط المذاهب ، ثم نردفه بذكر ما تحتمله من الفساد ، ثمّ نذكر على أثره المختار منها ، فهذه مباحث ثلاثة :